فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال ابن العربي: منع الله في كتابه أحدًا أن يفعل فعلًا جائزًا يؤدّي إلى محظور ولأجل هذا تعلّق علماؤنا بهذه الآية في سدّ الذّرائع وهو كلّ عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصّل به إلى محظور.
وقال في تفسير سورة الأعراف (163) عند قوله تعالى: {واسْألهم عن القرية الّتي كانت حاضرة البحر إذْ يعدون في السّبت} قال علماؤنا: هذه الآية أصل من أصول إثبات الذّرائع الّتي انفرد بها مالك رضي الله عنه وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته وخفيت على الشّافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما مع تبحّرهما في الشّريعة، وهو كلّ عمل ظاهر الجواز يتوصّل به إلى محظور اهـ.
وفَسَّر المازري في باب بيوع الآجال من شرحه للتّلقين سَدّ الذّريعة بأنّه منع ما يجوز لئلاّ يتَطرّق به إلى ما لا يجوز اهـ.
والمراد: سدّ ذرائع الفساد، كما أفصح عنه القرافي في تنقيح الفصول وفي الفرق الثّامن والخمسين فقال: الذّريعة: الوسيلة إلى الشّيء.
ومعنى سدّ الذّرائع حسم مادّة وسائل الفساد.
وأجمعت الأمّة على أنّ الذّرائع ثلاثة أقسام: أحدها: معتبر إجماعًا كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاءِ السمّ في أطعمتهم وسبّ الأصنام عند من يُعلم من حاله أنّه يسبّ الله تعالى حينئذٍ.
وثانيها: مُلغًى إجماعًا كزراعة العنب فإنّها لا تمنع لخشيَة الخمر، وكالشركة في سكنى الدّور خشية الزّنا.
وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال، فاعتبر مالك رضي الله عنه الذّريعة فيها وخالفه غيره اهـ.
وعَنَى بالمخالف الشّافعي وأبا حنيفة رضي الله عنهما.
وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد، فهذه القاعدة شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصّة بوسائل حصول المفسدة.
ولا يختلف الفقهاء في اعتبار معنى سدّ الذّرائع في القسم الّذي حكى القرافي الإجماع على اعتبار سدّ الذّريعة فيه.
وليس لهذه القاعدة عنوان في أصول الحنفيّة والشّافعيّة، ولا تعرّضوا لها بإثبات ولا نفي، ولم يذكرها الغزالي في المستصفى في عداد الأصول الموهومة في خاتمة القطب الثّاني في أدلّة الأحكام.
و{عَدْوًا} بفتح العين وسكون الدّال وتخفيف الواو في قراءة الجمهور، وهو مصدر بمعنى العدوان والظلم، وهو منصوب على المفعوليّة المطلقة لـ{يسبّوا} لأنّ العدو هنا صفة للسبّ، فصحّ أن يحلّ محلّه في المفعوليّة المطلقة بيانًا لنوعه.
وقرأ يعقوب {عُدُوًّا} بضمّ العين والدّال وتشديد الواو وهو مصدر كالعَدْو.
ووصفُ سبِّهم بأنّه عَدْو تعريض بأنّ سبّ المسلمين أصنامَ المشركين ليس من الاعتداء، وجعل ذلك السبّ عدوًا سواء كان مرادًا به الله أم كان مرادًا به من يأمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بما جاء به لأنّ الّذي أمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بما جاء به هو في نفس الأمر اللّهُ تعالى فصادفوا الاعتداء على جلاله.
وقوله: {بغير علم} حال من ضمير {يسبّوا}، أي عن جهالة، فهم لجهلهم بالله لا يزعهم وازع عن سبّه، ويسبّونه غير عالمين بأنّهم يسبّون الله لأنّهم يسبّون مَن أمر محمّدًا صلى الله عليه وسلم بما جاء به فيصادف سبّهم سبّ الله تعالى لأنّه الّذي أمره بما جاء به.
ويجوز أن يكون {بغير علم} صفة ل {عَدْوًا} كاشفة، لأنّ ذلك العدو لا يكون إلاّ عن غير علم بعظم الجرم الّذي اقترفوه، أو عن علم بذلك لكن حالة إقدامهم عليه تشبه حالة عدم العلم بوخامة عاقبته. اهـ.

.قال الفخر:

احتج أصحابنا بهذا على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر، وللمؤمن الإيمان، وللعاصي المعصية، وللمطيع الطاعة.
ق الكعبي: حمل الآية على هذا المعنى محال، لأنه تعالى هو الذي يقول: {الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ} [محمد: 25] ويقول: {والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات} [البقرة: 257] ثم إن القوم ذكروا في الجواب وجوهًا: الأول: قال الجبائي: المراد زينا لكل أمة تقدمت ما أمرناهم به من قبول الحق والكعبي أيضًا ذكر عين هذا الجواب فقال: المراد أنه تعالى زين لهم ما ينبغي أن يعملوا وهم لا ينتهون.
الثاني: قال آخرون: المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم، أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم.
والثالث: أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، والرابع: زيناه في زعمهم وقولهم: إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا.
هذا مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلي القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص، وذلك لأنا بينا غير مرة أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي.
وبينا أن تلك الداعية لابد وأن تكون بخلق الله تعالى، ولا معنى لتلك الداعية إلا علمه واعتقاده أو ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد، ومصلحة راجحة، وإذا كانت تلك الداعية حصلت بفعل الله تعالى، وتلك الداعية لا معنى لها إلا كونه معتقدًا لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد، والمصلحة الراجحة.
ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل، ولا قول ولا حركة ولا سكون، إلا إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده، وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرًا وجهلًا، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانًا وعلمًا وصدقًا وحقًا فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل.
الثاني: ثم إنا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ذلك الجهل السابق، فإن كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم أن يستمر ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال، ولما كان ذلك باطلًا وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه ابتداء، وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه إيمانًا وحقًا وعلمًا وصدقًا، فثبت أنه يستحيل من الكافر اختيار الجهل والكفر إلا إذا زين الله تعالى ذلك الجهل في قلبه، فثبت بهذين البرهانين القاطعين القطعيين أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي لا محيد عنه، وإذا كان الأمر كذلك، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها، لأن المصير إلى التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره.
أما لما قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر، فقد سقطت هذه التكليفات بأسرها والله أعلم.
وأيضًا فقوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} بعد قوله: {فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله تعالى.
فأما أن يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال الصالحة في قلوب الأمم، فهذا كلام منقطع عما قبله، وأيضًا فقوله: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة، فتخصيص هذا الكلام بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم، وأما سائر التأويلات، فقد ذكرها صاحب الكشاف: وسقوطها لا يخفى، والله أعلم. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة} إشارة إلى ما زين الله لهؤلاء عبدة الأصنام من التمسك بأصنامهم والذب عنها وتزيين الله عمل الأمم هو ما يخلقه ويخترعه في النفوس من المحبة للخير والشر والاتباع لطرقه، وتزيين الشيطان هو بما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء. اهـ.

.قال الخازن:

وقوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} يعني كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان كذلك زينا لكل أمه عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا لا يحسن من الله خلق الكفر وتزيينه. اهـ.

.قال أبو حيان:

{كذلك زينا لكل أمّة عملهم} أي مثل تزيين عبادة الأصنام للمشركين {زينا لكل أمّة} وظاهر {لكل أمّة عملهم} لعموم في الأمم وفي العمل فيه فيدخل فيه المؤمنون والكافرون وتزيينه هو ما يخلقه ويخترعه في النفوس من المحبة للخير أو الشر والاتباع لطرقه، وتزيين الشيطان هو ما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء، وخص الزمخشري {لكل أمّة عملهم} فقال: من أمم الكفار سوء عملهم أي خليناهم وشأنهم ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، وأمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زيناه في زعمهم وقولهم: إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا انتهى، وهو على طريقته الاعتزالية، وقال الحسن: أي {زينا لكل أمّة} العمل الذي أوجبناه عليهم فجعل {زينا} بمعنى شرعنا {ولكل أمّة} عام والعمل خاص بما أوجبه الله تعالى، وأنكر هذا الزجاج وقال: هو بمعنى طبع الله على قلوبهم والدليل عليه: {فمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} انتهى.
وما فسر به الحسن قد أوضحه بعض المعتزلة فقال: المراد بتزيين العمل تزيين المأمور به لا المنهى عنه ويحمل على الخصوص وإن كان عامًا لئلا يؤدّي إلى تناقض النصوص لأنه نص على تزيين الله للإيمان وتكريهه للكفر في قوله: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر} فلو دخل تزيين الكفر في هذه الآية في المراد لوجب التناقض بين الآيتين ولذلك أضاف التزيين إلى الشيطان بقوله: {زين لهم الشيطان أعمالهم} فلا يكون الله مزينًا ما زينه الشيطان فنقول: الله يزين ما يأمر به والشيطان يزين ما ينهى عنه حتى يكون ذلك عملًا بجميع النصوص انتهى، وأجيب بأن لا تناقض لاختلاف التزيين تزيين الله بالخلق للشهوات وتزيين الشيطان بالدعاء إلى المعاصي فالآية على عمومها في كل أمّة وفي عملهم. اهـ.

.قال أبو السعود:

{كذلك} أي مثلَ ذلك التزيينِ القويِّ {زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} من الخير والشر بإحداث ما يُمكّنهم منه ويحمِلُهم عليه توفيقًا أو تخذيلًا، ويجوز أن يُراد بكل أمة أممُ الكفرةِ إذ الكلامُ فيهم وبعملهم شرُّهم وفسادُهم، والمشبَّه به تزيينُ سبِّ الله تعالى لهم. اهـ.

.قال الألوسي:

{كذلك} أي مثل ذلك التزيين القوي {زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ} من الأمم {عَمَلَهُمْ} من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقًا أو تخذيلًا، وجوز أن يراد بكل أمة أمم الكفرة إذ الكلام فيهم وبعملهم شرهم وفسادهم، والمشبه به تزيين سب الله تعالى شأنه لهم، واستدل بالآية على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر كما زين للمؤمن الإيمان.
وأنكر ذلك المعتزلة وزين لهم الشيطان أعمالهم فتأولوا الآية بما لا يخفى ضعفه. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {كذلك زيّنّا لكلّ أمّة عمَلهم} معناه كتزييننا لهؤلاء سُوءِ عملهم زَيَّنَّا لكلّ أمّة عملهم، فالمشار إليه هو ما حكاه الله عنهم بقوله: {وجعلوا لله شركاء الجنّ} إلى قوله: {فيسبّوا الله عدوًا بغير علم} [الأنعام: 100- 108].
فإنّ اجتراءهم على هذه الجرائم وعماهم عن النّظر في سوء عواقبها نشأ عن تزيينها في نفوسهم وحسبانهم أنّها طرائق نفع لهم ونجاة وفوز في الدّنيا بعناية أصنامهم.
فعلى هذه السنّة وبمماثل هذا التّزيين زيّن الله أعمال الأمم الخالية مع الرّسل الّذين بُعثوا فيهم فكانوا يُشاكسونهم ويعصون نصحهم ويجترئون على ربّهم الّذي بعثهم إليهم، فلمّا شبّه بالمشار إليه تزيينا عَلِم السّامع أنّ ما وقعت إليه الإشارة هو من قبيل التّزيين.
وقد جرى اسم الإشارة هنا على غير الطّريقة الّتي في قوله: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطا} [البقرة: 143] ونظائره، لأنّ ما بعده يتعلّق بأحوال غير المتحدّث عنهم بل بأحوال أعمّ من أحوالهم.
وفي هذا الكلام تعريض بالتوعّد بأن سيحلّ بمشركي العرب من العذاب مثلُ ما حلّ بأولئك في الدّنيا.
وحقيقة تزيين الله لهم ذلك أنّه خلَقهم بعقول يَحْسُن لديها مثلُ ذلك الفعل، على نحو ما تقدّم في قوله تعالى: {ولو شاء الله ما أشركوا} [الأنعام: 108].
وذلك هو القانون في نظائره.
والتّزيين تفعيل من الزّيْن، وهو الحُسن؛ أو من الزّينة، وهي ما يتحسّن به الشّيء.
فالتّزيين جعل الشّيء ذا زينة أو إظهاره زيْنًا أو نسبته إلى الزّين.
وهو هنا بمعنى إظهاره في صورة الزّين وإن لم يكن كذلك، فالتّفعيل فيه للنّسبة مثل التّفسيق.
وفي قوله: {ولكنّ الله حبَّب إليكم الإيمان وَزَيَّنه في قلوبكم} [الحجرات: 7] بمعنى جعله زينًا، فالتّفعيل للجعل لأنّه حَسَن في ذاته.
ولما في قوله: {كذلك زيّنّا لكلّ أمّة عملهم} من التّعريض بالوعيد بعذاب الأمم عقّب الكلام بـ {ثُمّ} المفيدة التّرتيب الرتبي في قوله: {ثمّ إلى ربّهم مرجعهم فينبّئهم بما كانوا يعملون}، لأنّ ما تضمّنته الجملة المعطوفة بـ {ثُمّ} أعظم ممّا تضمّنته المعطوفُ عليها، لأنّ الوعيد الّذي عُطفت جملته بـ {ثمّ} أشدّ وأنكى فإنّ عذاب الدّنيا زائل غير مؤيّد. اهـ.

.قال الفخر:

المقصود منه أن أمرهم مفوض إلى الله تعالى، وإن الله تعالى عالم بأحوالهم.
مطلع على ضمائرهم.
ورجوعهم يوم القيامة إلى الله فيجازي كل أحد بمقتضى عمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. اهـ.

.قال ابن عطية:

وقوله: {ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم} يتضمن وعدًا جميلًا للمحسنين ووعيدًا ثقيلًا للمسيئين. اهـ.

.قال الخازن:

وقوله تعالى: {ثم إلى ربهم مرجعهم} يعني المؤمن والكافر والطائع والعاصي {فينبئهم بما كانوا يعملون} يعني في الدنيا ويجازيهم على ذلك. اهـ.